الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
73
تفسير روح البيان
سفينتهم فتعلق كل انسان منهم بخشبة على أي حال هم قال الرجل على حال شديد قال الحسن حالي أشد من حالهم فالموت بحرى والحياة سفينتى والذنوب خشبتى فكيف يكون حال من وصفه هذا يا بنى فلا بد من ترك الذنوب والفرار إلى علام الغيوب وفي الحديث ( من كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر اليه ) تأمل كيف كان جزاء كل مؤمل ما امل واعتبر كيف لم يكرر ذكر الدنيا اشعارا بعدم اعتبارها لخساستها ولان وجودها لعب ولهو فكأنه كلا وجود كما قيل بر مرد هشيار دنيا خسست * كه هر مدتي جاى ديگر كسست وانظر إلى قوله عليه السلام ( فهجرته إلى ما هاجر اليه ) وما تضمن من ابعاد ما سواه تعالى وتدبر ذكر الدنيا والمرأة مع أنها منها إذ يشعر بان المراد كل شئ في الدنيا من شهوة أو مال واليه يرجع الأكوان وان المراد بالحديث الخروج عن الدنيا بل وعن كل شئ للّه تعالى : قال الحافظ غلام همت آنم كه زير چرخ كبود * ز هر چه رنگ تعلق پذيرد آزادست يعنى عن كل شئ يقبل التعلق من المال والمنال والأولاد والعيال فلا بد من التعلق بمحبة الملك المتعال * وفي التأويلات النجمية أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ الإشارة في تحقيق الآيتين ان اللّه تعالى شبه حال متمنى هذا الحديث واشتغالهم بالذكر وتتبع القرآن في البداية وتجلدهم في الطلب وما يفتح لهم من الغيب إلى أن تظهر النفس الملالة وتقع في آفة الفترة والوقفة بحال من يكون في المفازة سائرا في ظلمة الليل والمطر وشبه الذكر والقرآن بالمطر لأنه ينبت الايمان والحكمة في القلب كما ينبت الماء البقلة فِيهِ ظُلُماتٌ اى مشكلات ومتشابهات تظهر لسالك الذكر في أثناء السلوك ومعان دقيقة لا يمكن حلها وفهمها والخروج عن عهدة آفاتها الا لمن كان له عقل منور بنور الايمان مؤيد بتأييد الرحمن كما قال تعالى الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ فكما ان السير لا يمكن في الظلمات الا بنور السراج كذلك لا يمكن السير في حقائق القرآن ودقائقه ولا في ظلمات البشرية الا بنور هداية الربوبية ولهذا قال تعالى كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ يعنى نور الهداية وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا يعنى ظلمة البشرية وَرَعْدٌ اى خوف وخشية ورهبة تتطرق إلى القلوب من هيبة جلال الذكر والقرآن كما قال تعالى لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ * وَبَرْقٌ وهو تلألؤ أنوار الذكر والقرآن يهتدى إلى القلوب فتلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر اللّه فيظهر فيها حقيقة القرآن والدين فيعرفها القلوب لقوله تعالى وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ الآية ولما لاح لهم أنوار السعادة خرجوا من ظلمات الطبيعة وتمسكوا بحبل الإرادة لينالوا درجات الفائزين ولكن يجعلون أصابعهم اى أصابع آمالهم الفاسدة وأمانيهم الباطلة فِي آذانِهِمْ الواعية مِنَ الصَّواعِقِ ودواعي الحق حَذَرَ من الْمَوْتِ موت النفس لان النفس سمكة حياتها بحر الدنيا وماء الهوى لو أخرجت لماتت في الحال وهذا تحقيق قوله عليه السلام ( موتوا قبل ان تموتوا ) وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ فيه إشارة إلى أن الكافر الذي له حياة طبيعية حيوانية لو مات بالإرادة من مألوفات الطبيعة لكان احياء اللّه تعالى بأنوار الشريعة كما قال تعالى أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ